التتلمذ (الإقتداء)
بالتخلص من التكبر وتقبل حقيقة أننا لا نعرف كل ما ينبغي معرفته وأن الآخرين قد يكونون أكثر منا علماً، يصبح من واجبنا التصرف على هذا الأساس، وذلك بتطوير أنفسنا. ويمكن تحقيق التطوير الذاتي من خلال وسائل تقليدية كحضور الدورات الدراسية أو استخدام المواد التعليمية السمعية والمرئية (مثل الكتب والشرائط وأقراص CD والوسائط المتعددة)، إلا أن هذه الوسائل لا تقدم سوى بعض التفصيلات الجزئية عما نحاول تعلمه، فهي توفر لنا الأسس النظرية وتطبيقاتها في حالات أو أوضاع معينة ومعزولة، ولا ترينا الكيفية الفعلية لتطبيق واستخدام هذه المعرفة في حياتنا اليومية وأوضاعها المختلفة. وحتى يمكن الربط بين المعرفة المطلوبة وحياتنا وجعلها مناسبة لاحتياجاتنا فلابد من ممارستها عملياً في المقام الأول ورؤيتها بأعيننا. أو بمعنى آخر نحن في حاجة لرؤية مثال حي لهذه المعرفة والتعلم منه. ويعتبر التتلمذ (الإقتداء) أقوى وأنسب طرق نقل المعرفة من شخص لآخر وأكثرها فاعلية.
ورغم أن معظم الكتابات في مجال الإدارة تركز على"القيادة"، فنحن في حاجة لتعلم فن ومهارة القيادة طالما لم نولد من بطون أمهاتنا كقادة ، وهو ما يحدث فعلاً في معظم الحالات. وعلينا بالتالي بذل ما يكفي من الوقت والجهد للارتقاء إلى المستوى الذي تتطلبه وظائفنا أو ما نطمح إليه، وهذا يعنى أن نخصص قدراً معقولاً من الوقت للتعلم. ونحن نعتقد أن أفضل طريقة لتعلم مهارات القيادة هي محاكاة القدوة أو النماذج التي نتطلع إليها. وهكذا نرى أن التتلمذ (الإقتداء) مكانه في الصدارة.
والإقتداء يعنى البحث عمن هم أكثر منا علما ولديهم الاستعداد لأن يشركونا في علمهم، والتفاعل معهم والتعلم منهم، ويعتبر أولئك هم النموذج (القدوة) الذين نتعلم منهم شيئا محدداً نحتاجه. وهكذا فإن التواضع يساعدنا على تحطيم المعوقات التي يقيمها غرورنا لمنعنا من التعلم من الآخرين. أما الإقتداء فيغرس فينا الصفات التي تمكننا من التعلم الفعلي من الآخرين.
ويمكن ممارسة الإقتداء من خلال أحد ثلاثة طرق: الطريقة الأولى هي العملية التقليدية التي تقوم من خلالها المؤسسة بالتعرف على شخص لديه المعرفة والخبرة اللازمة ليكون معلما أو قدوة لنا، والطريقة الثانية والأكثر شيوعا هي التعلم مباشرة ممن هم أكثر منا علماً وخبرة ونتصل بهم أثناء العمل باستمرار وهم المديرين الذين نتبع لهم، والطريقة الثالثة هي الحصول على المعرفة والخبرة اللازمة من شخص ما ، والذي قد لا يكون مديراً ولا معلما رسميا لنا. وبصرف النظر عن نوع القدوة التي تصادفنا- نحن أهل صافولا الذين يؤمنون بالتواضع- فعلينا الاستفادة من هذه الظروف لتحسين أنفسنا.
ولتعظيم فوائد الإقتداء، علينا الأخذ بسلوكيات معينة والقيام بأفعال معينة، أولها هو ضرورة البحث والتفاعل النشط مع المديرين والمعلمين لمناقشتهم في القضايا المطروحة وطرق التصدي لها، والغرض من المناقشة هو إيضاح القضايا والتعلم منها وليس مجرد المناقشة من أجل المناقشة. ويستلزم الإقتداء، باعتباره أحد طرق التعلم، ضرورة قيامنا بنشر النصح والإرشاد الذي نتلقاه من المعلمين والمديرين، وعلينا إظهار اهتماماً حقيقياً وتقديراً كبيراً للمعرفة التي نقوم باكتسابها. ويجدر في هذا الخصوص، إيضاح ضرورة أن لا نقوم بذلك لمجرد إرضاء النفس أو المتعة ولكن لأن أحد أكثر الطرق فعالية لترسيخ المعرفة المكتسبة حديثا هي استخدامها في الواقع ونقلها للآخرين.
وأكثر من ذلك فالإقتداء يستلزم أن نكون أمناء مع المعلمين والمديرين والزملاء من خلال تزويدهم برد فعل دقيق وفي الوقت المناسب عما نتعلمه ونكتسبه من معارف منهم، وعلينا مناقشتهم بشكل صريح في المشاكل التي نواجهها دون أن نخفي عنهم الحقائق التي قد تعيق العملية التعليمية. ولابد من أن نقوم بتوجيه الأسئلة عند عدم التأكد، وأن نتكلم عند شعورنا بعدم الفهم. ويستلزم الإقتداء البحث عمن هم أكثر منا علما لنتعلم منهم، ويستلزم أخيرا أن نحصل منهم على تقييم مستمر لمدى ما تعلمناه.
والإقتداء في نهاية المطاف هو التوجه والسلوك الصحيح نحو المعرفة واكتسابها من أي مصدر متاح.
|